ذكرى البارود

تاونات مدينة صغيرة يحتضنها جبل تموضع على بداية سلسلة جبال الريف، لو مددت عينيك و أنت في إحدى أطراف جهة الجنوب سترى شرخا كبيرا يفصل المدينة و هو في الحقيقة سهل حياينة، يمتد على طول الناظر، و بعدها جبال الأطلس أما من ناحية الشمال و الشرق فعيناك ستلتقط سلسلة من الجبال في ترتيب تصاعدي،كأنها تقول أنا من هنا أنا البداية و من هنا أيضا أنا النهاية -و اعلم أنه حسبك ستقرر النهاية من البداية- و أفضل پانوراما شتوية أحبها، هي دوار دارخنس، دائما اسمه يذكرني بالكلمة الإنجليزية darkness، كل ما أحتاجه للاستمتاع بهذه البانوراما، هو كأس من الشاي أو القهوة، و أسدل رأسي على كفي على سور أسطوحتنا، و أسبح في هذا الطقس، فيبدأ عقلي تارة في التفكر في الاسم، و ربطه بالمكان، و رائحة الجو الممطر، فتبدأ التكهنات -كأني مريض بالزهايمر لأني كل مرة أنسى خلاصة ما مضى- كيف أسموه دارخنس و ماعلاقته بالكلمة الإنجليزية، و لما هو مظلم دائما، أيمكن أن يكون من أسماه، ربط الاسم بالمنظر، و للإشترة فقط، فإن الدوار من مكاني هذا دائما مظلم، و حتى و أنا صغير حينما كنت أزوره رفقة أبي كنت أراه مظلما، و حتى الآن حينما أكون راجعا في الحافلة صوب تاونات أراه مظلما، لا أعلم لماذا ارتبط الدوار بالظلام،  ...

دوار دارخنس، إذا تمعنت في النظر إليه ستراه كأنه جالس على كرسي-الجبل- بوقار تام، شاب ظَلُمت الحياة في وجهه فأصبح للناظرين مظلم، غلبته الحياة من جلوسه، لربما دارخنس دوار يكتم الهموم التي صادفها طيلة قعوده في حضن الجبل، لربما سيصرخ يوما من موقعه ذاك ليسمعه العالم، و خصوصا أنا، سيصرخ في وجهي يوما بكل ما أوتي من قوة، و سيقول للعالم _تبا_أنا لست مظلم، أنا دارخنس فقط_ مضحك ما وصلت في وصفي لربما المضحك، أنه سيستيقظ يوما من مكانه، و ينظر إلى عيني و يقول اغرب عن وجهي أيها الظالم المظلم، فهو دائما أحسه يكتم شيئا، الجبال و الأماكن حقا تكتم الأشياء و الأسرار، فتاونات تخفي من الأسرار مالاعلم لنا به، لكني أذكر أنها لم تكتم صوت البارود، إييه رائحة البارود، و صوت البارود، ينعشان الذاكرة حقا، لأني حقا استمتعت بالفرجة في ذكرى المولد النبوي، حينما كنت أتبع"البواردية" و هم يماروسون طقسهم السنوي في هذه الذكرى، يقومون بالالتفاف على وسط المدينة، في أحداث فلكلورية شعبية و معاصرة، في الأمام دائما كانت تكون فرقة من الشباب و الأطفال، بآلاتهم الموسيقية، ينشدون ماجادت عليهم مواهبهم، بإمتاع الجمهور، خلفهم فرق شعبية للطقطوقة الجبلية،  بأزياءهم المحلية و آلاتهم التقليدية، "الطبل و الغايطة و أراك للفراجة"، أظن أن ولعي بالغايطة أنشئ بداية من هذه المرحلة، كنا أطفال و كبارا نتبعهم و نرقص معهم، فأغلب أغانيهم هي أغاني محلية الكل ينشدها، و ما بعدهم هم البواردية، بجيادهم الضخمة، يملكون القلوب، كأنك في ضيافة التاريخ، و الحضور هنا فقط توديع للجنود رحيلا لأرض المعركة، خصوصا أن أصوات "المكاحل" كانت تتعال في الأفق، يمكنك سماعها من بعيد البعيد، و لأني كنت صغيرا  كان العالم أضخم، ففي لحظة ما يسبق الاطلاق، كان السكون يعم المكان استعدادا للإطلاق، فيبدأ الصراخ بعدها ببرهة، الزغاريد، و "العشق في النبي"، تلوح الرائحة في الجو، و تعود لسماع الأصوات الأخرى من غايطة و سمفونية، لحظة تقول للعالم، قف عن الحركة و اسكن قليلا، لأني سأوقف العالم و أصرخ، و هذا ما سيعلنه يوما دوار دارخنس

 

 

Comments

Popular posts from this blog

Attack On Titan

The dream of a ridiculous man -dostoevsky